الاثنين، 23 مارس 2015

يحدث أن نكبر..

الهواجس...كم تمتليء بها الحياة(عدت سنة)...و 9 أشهر (فقط؟!) مذ غادرت اليمن للإستقرار و التعرف على هذه البلدة الطيبُ أهلها (السودان)...كم فكرت بعد وصولي إلى هنا أن اكتب عن صنعاء التي تركتها بعافية مهلهلة و الحلم بأن تصُبح أكثر اماناً هو الرجاء و المطلب...لم أظن أنني يوماً سأترك قلمي (كيبوردي بالأصح) ...لأنشغل بالواقع هنا ...

كنت أظن و بعض الظن يُولد من حجم الأماني في قلوبنا, بأنني سأحكي كم كَبُرت أمام عيني صنعاء...و كم تغيرت الملامح و الأسواق و كم كانت ذات يوم تذخر بمجموعات كبيرة من الأساتذة السودانيين-زمن الإعارة- (من منتصف التسعينات إلى بداية الألفينات)..و ما رافق ذلك من قصص و حكايات كثيرة ..بعضها لا يُمحى و بعضها في الذاكرة يأتي به الحنين و الروائح و بعضاً من نوتات موسيقية او ....و للحنين اشكاله.

كان قلبي مُحتاراً ما بين ذكريات 13 عاماً كاملة, كانت حياتي و (صارت) حياة ماضية, و بين حاضر جميل (في بعض الأوقات) و مستقبل رسمته في عقلي ووضعته في قلبي...ليصبح بعد فترة من قضاء بعض الوقت هنا...(مبني للمجهول)!

في كل مكان-بالتقريب- ذهبت إليه و علم اهله بأنني كنت خارج هذا البلد الميمون - سواء بتعريف من احد الحضور او بعد وصف منطقة معينة في السودان, يستبينون بعدها جهلي بهذا البلد - كان السؤال الذي يُطرح هو (الجابك هنا شنو؟)...ثم تقضي دقائق يُحلِل فيها صاحب السؤال الخطأ الذي وقعت فيه بقدومي إلى هنا...ثم يسألني في أحسن الأحوال عن بعض طباع اليمن و كيف كانت عشرتهم و ما يسمعونه في الأخبار عن بعض عاداتهم و تقاليدهم...الخ .

كنت سعيدة في الأيام الأولى سعادة لا توصف - و ليس الوصف ابتذالاً- فقد كانت مقابلة الأهل و (شاي المُغرب) اجمل في عقلي القاصر و المحدود فكرياً أن اتخطى السودان لأكثر من ذلك الوصف...لا أدري لماذا؟!
و إذا بها الأيام تمهلني بعضُ وقتِ لأتعرف أكثر على السودان بعيداً عن -السوشيال ميديا- و بعيداً عن قناة بلونايل و خاصة - بلونايل- اف ام و التي اعتدنا في ايام الجُمعات أن نتابعها صباحاً بشغف كبير..و خاصة فقرة الصُحف السودانية الصادرة صباح اليوم...فقد كان ابي من عُشاق قراءة الصحف و احسبه لا يزال كذلك - رده لنا الله من غربته سالماً و أخي.

مرت الأيام كالخيال احلام  و انطوت آمال (و بعيداً عن فهيمة) فقد كان الحال كذلك, تركت الحياة اسفيرياً لأعيش الواقع...بكل حجمه, و العلاقات الإجتماعية الواسعة بكل ثقلها و زادها أنني استقريت في مدينة تبعد عن العاصمة -7 ساعات- و  حتى في تلك المدينة ...سكنت في ريف ..حيث (السودان....الآخر او الكامل؟!), بغض النظر عن الظروف المادية الضاغطة و بغض النظر عن طموحات الشباب (المُدمرة) و التي أعلاها طموحاً و اقربها نطقاً و اسهلها إجادة في القول هي (دايرين نتخارج من البلد دي..نشوف لينا عقد برة) !
نعم...حيثُ اصبح (خارج السودان) هو الحل لجميع المشاكل, و السودان في حد ذاته مُشكلة...و الحكومة هي المرض الخبيث الذي يفتك بنا و سلامة عقولنا و مُسبب هجرتنا و مُجمل همنا و السبب في هواننا على الناس...و العياذ بالله !

تَشبعت بعبارات تُلبسنا ملابس الضحية-كشعب- و تضعنا في زنازين لا مخرج منها و لا مفر امام جلاد احكم اغلاق الباب علينا ووضع حولنا حرس في مُنشأة كُتب فيها (الوطن) على لوحة مُعلقة بخيط رفيع لأن سمسار من نوعا ما ...اوكلت له الحكومة مهمة (تظبيط منشآتنا)...فإستخسر فينا (مسمارا) يليق بلوحة الوطن !!

و شبعت حد التخمة ب(كلامات) موظفين حكوميين يجلسون في ظل عمارة عند -ست شاي- بعد (ساعة فطور) كاملة و تزيد نيفاً...يتحدثون عن مدى فساد علان و فلان و كيف أن الأجور لا توفيهم حقهم و هم ينسون او يتناسون كلمة (الإخلاص في العمل)...او حتى ابسط مباديء الذوق العام و يتركونك مُعلقاً امام مكاتبهم لساعات طوال ..كأنهم شُغلك الشاغل..ثم يُجرجرونك من مكتب لمكتب حتى يغفر الله ذنوبك بكثرة الإستغفار و حرارة الدعاء و التهليل عند تحقق الرجاء !

و تشبعت حد الغثيان بـحيوات اجتماعية  للبعض- تجبرك الظروف او الجيرة او القرابة او شبكة الحياة الإجتماعية- على النظر لها عن قرب حتى تكاد تفقد بصرك من كثرة الحملقة !!

فوصلت- و لا داعي للإستنتاج- إلى كآبة من نوع خاص...اخذت وقتها في الظهور رويداً رويداً حتى اصبحت المُحَكِم الذي يقود عقلي و تصرفاتي...فكان ان اصبحت اشعر بأنني قد دُفِنتُ بإيحاء من ساحر فودو افريقي حيةَ..لأستيقظ زومبي غاضب و خاضع لتغيرات مُناخات لا تتناسب معي...نعم هذا اقرب وصف يتبادر إلى ذهني عن تلك الفترة القريبة.
شعرت حينها بأنني قد أضعت صورة حلم كان في عقلي , و صورة وطن وضعت له اطاراً , و أضعت فوق هذا كله ووسط طبقات الواقع عبارة من برنامج تلفزيوني كنت قد اتخذتها شعاراً في حياة سابقة مفادها بأن "لا اضع توقعات عالية...حتى لا اصاب بصدمة"...

ووسط هذا و ذاك وحين كنت احاول التروي في افكاري و البُعد عن المنهج الإدريس جمَّاعي في ندب الحظ و اللطم على الخدود و الاعتقاد ب "إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه, ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه,صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه"...لم أخذ وقتي في الخروج من القوقعة بسلاسة او لم اُستمهل لأمُر بمراحل حُزنِ اربع...لأتفاجأ بأنني تُهت...مرة أخرى ..بطريقة مختلفة ...

أدركت حينها أنني كنت أصغر من ان ادرك بأن الحياة عبارة عن -باكيج- كامل و لا تأتي مُجزأة لنأخذ من هنا ما نريد و نترك ما تبقى...أدركت بأن مهما كان الذي يحدث أو الذي يُقرأ او يُسمع بأن الناس (وقت الحارة)....تتخذ بجانب بعضها صفوفاً لا لتقيم صلاة فحسب...بل لتُساعد ...لتبني...لتُصلح ...أناس ليس لهم ميول سياسي معين و لا يجلسون ليضعوا خارطة طريق للوصول إلى كنز او نفط...بل كل همهم هو المساعدة ...متمثلين في مجموعات شبابية تُقدم يد العون للأسر المحتاجة او لمن يمرون بضائقة ما...او يجمعون التبرعات لبناء مدرسة او مركز الخ...فأفكارهم للمساعدة لا تنضب!

حينها ادركت متأخرة ان (الشوف بالقلب) و أن الضائقات خُلِقت في هذا البلد لأجل التقريب...و أن هذا الضائقات سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او سياسية...ما خُلقت الا لتجمعنا....

لا ادري.....بدأت في أخذ المواضيع بشكل آخر (قدر الإمكان) و بعيداً عن السوداوية التي تُعمي القلوب و بعيداً عن التفاؤل المُوصل للصدمات...تقبلت واقع أن العيش هنا عبارة عن مرور بطريق فيه من الصعاب ما يجعلك تلعن اختيارك للسير فيه و من الجمال ما يُنسيك نفسك و أين انت و من الغرابة ما يُدهشك و يدفعك للكتابة عن وضعك فيه بحيث تشَعُر فيه بأنك (اليس في بلاد العجائب) و لكن بغض النظر عن هذا كله و  الأرق و الحزن و ضعف المرتبات-فعلاً- و غلاء المعيشة....ما يجعلك تُحب هذا البلد و..بغض النظر عن حكومتة مُتخَبِطة الهُدى...



لم أكتب اليوم لأكتب...بل كتبت احتفالاً بخروجي من قوقعة ما...و احتفالاً بأنني اشعر بأنني صرت أكبر عقلاً...و اكثر حكمة ...و انا مُدرِكة تماماً بأنني غداً (كلما تقدم بي السن)...سأقف على حافة هذه التدوينة لأنظر ما خطيته...لأُدرك حينها أن عقلي لم ينضج إلى ذلك الوقت بشكل كافي !!

و في الأخير: سأخلـــص في عملي كما علمني ابواي ...سأخلص من أجل أن أُخلي مسؤوليتي من عدم المسؤولية الذي اصبح منُتشراً كداء خبيث....سأخلص -قبل هذا كله-و بغض النظر عن مفهوم البعض بأن (العمل على قدر الراتب)...لله...و من أجل السودان.

لأنني أحببته...و سأظل مخُلصة له...إلا في حالة تزوجت بشاب سوداني يسكن في السويد و يعمل مهندساً و....في تلك الحالة ..السودان الله معاهو شديييييد ....هممم امزح؟!

يللا ما علينا...كالعادة !

ابقوا عـــــــافية ...

ومضة: تعبت من الكتابة لأنني توقفت عنها طويلاً و اختزلت افكاري كثيراً (على غير العادة) و لكن ...سأجعل هذه التدوينة خاتمة لفترات قضت...و نبقى في الحاضر...لأجل المستقبل!!!


الثلاثاء، 9 سبتمبر 2014

رسالة ودية إلى فارس أحلامي...(نوبات من العقلانية).

عزيزي  : م. ج . ه. و . ل (a.k.a) فارس احلامي المُنتظر ..

اكتب لك و قد طال انتظاري , و زاد تبرمي , و قلت حيلتي , و ...حسناً بما أنك تسكن عقلي ...اعتقد انك تعرف الحال .


لا ادري من اين ابدأ حديثي معك, فأنا كما تعلم حدّاثة ...و الحدّاث ما سواي (يقول المثل السوداني) , إلا انني بعد التفكير لفترة زمنية طويلة (لمدة سبعة ايام , افكر خلالها مرة كل 12 ساعة , بمقدار 5 مل ..اقصد خمس ثواني في الساعة ...او كما يكتبها دكتور من ذوي الخطوط البشعة 2×1×7) توصلت لحقيقة أننا بحاجة إلى الجلوس لطاولة حوار ...لوضع النقاط على الحروف.


نعم , كما سمعت , ارغب في الجلوس معك على طاولة حوار كما جلسنا من قبل في احد احلام يقظة ما قبل النوم مع احد الأطباء النفسيين لأنك اعتقدت أن ما اعاني منه من الخَبَل - على حد تعبيرك-  لا حل له سوى (طبيب نفسي) بإمكانه (ردم الهوة) بين فهمي و فهمك ....هل اخبرتك حينها بأنك كنت تتكلم كمسؤول سوداني؟ ...على اي حال ....لا شروط لي للجلوس لطاولة الحوار التي قررتها بنفسي سوى رغبتي  في ان يكون الذي يجلس مِنّا على جهة النافذة - في الطابق العشرين- من مبنى رأيته في فيلم جديد... هو انت , بإلاضافة إلى رغبتي في ان يكون الكرسي (الذي تجلس عليه انت ايضاً) هو كرسي بعجلات , بإلأضافة إلى 12 شرطاً آخر من شروطي ....في المقابل  و - يا لكرمي - اعدك أيضاً بأنني سأوقع على ما توصلنا إليه من اتفاقات (تصب في مصلحتي) و من غير اي تردد , إلا لو لم يعجبني شكل القلم المُحضر للتوقيع , او شكل الورقة , او شكل سطح الطاولة ....او اي عامل من العوامل التي قد تقتل فيني روحي المعنوية و حُبي للإصلاح و المُضي قُدُماً في هذه العلاقة.

يبدو فيما يبدو ...انك فارس احلام (ندل) و بالرغم من إنك خيالي و من صُنع خيالي إلا ان من قال ان (التسويه بإيدك ...يغلب اجاويدك) لم يكن مخطئاً ...فقد عرفتك  في سن السابعة عشر - حسناً ربما لم افكرك فيك -كثيراً -  إلا ان ما فعلته بي حتى الآن من غيبة طويلة و من بُخل علي حتى من الظهور في حلم , او حتى ان تتمثل لي في سراب ....لا يبدو لي بالشيء اللائق بفارس أحلام .


هذا يعني أننا و خلال سنوات عمرنا التي قضيناها سوياً في خيالي لم تكن لي الفارس المثالي, فبالرغم من ورود بعض التعريفات عنك بأنك - كوبي بيست (نسخ-لصق) عن أشخاص مروا بي في الحياة  و أرغب في بعض صفاتهم في ان تكون موجودة في شريك حياتي - خاصة تلك الشخصيات التلفزيونية -فيما يتعلق بي - إلا انك لم تكن تتصرف كشخصية هي خليط من شخصيات أخرى ...و لهذا ربما اكرهك ...او أحبك او ...حسناً انا لا اتذكرك معظم الوقت .


أعلم بأنني خلال حياتنا العقلية كنت شخصية- فلنقل- مرحة أكثر من اللازم لك , و لكن لا يمكنك ان تنكر أنك قد احببتني رغم ذلك, اليس كذلك ؟؟؟ ربما عدا تلك الـمرات البسيطة التي وددت قتلي فيها , و منها حينما دخلت ذات يوم ووجدتني اُعلق صورة تخرجك على باب تلك الغرفة المجهولة و العب فيها بالأسهم لتطوير مهاراتي في الرماية , اتذكر غضبك - الذي لم افهمه جيداً حتى الان ...

و اتذكر ايضاً ذلك اليوم الذي عدت فيه من عملك - الذي لا أعلم ما هيته- غاضباً حينما خرجت تلك الأفعي من حقيبتك حينما فتحتها في مكتبك ...لم تفهمني و لم تفهم انني كنت اود ان أُخيفك بعض الشيء لأنني أخبرتك في الليلة التي قبل ذلك اليوم بأن لا تضرب - التيمان- من اطفال الجيران ...لأنهم سينتقمون منك ...و خاصة قد يتحولون إلى قطط او ...ثعابين ..كنت احاول فقط ان ابرهن على وجهة نظر ...و لن انسى أنك كلفتني مبلغ مالي كبير حينما قتلت تلك الأفعى و التي كانت المفضلة لدي - لأنها تحمل اكبر كمية من السُم- استخدمها في معمل تطويري للأدوية المُستخرجة من سموم الثعابين ...كُنت غير مُتفهم حينها !

و اذكر ايضاً فيما اذكر انك ذات يوم تركتني في البيت وحيدة انتقاماً من شخصي الضعيف على دعابة سمجة و خفيفة الظل  قمت بها معك ..أقصد مع احد افراد عائلتك , حينما قمت بالإبلاغ عن اختك الوحيدة - العاقلة- من وجهة نظرك , لدى الشرطة , بإعتبارها فرت من مستشفى المجانين المجاور لبيتكم و لحسن حظي و توفيقي كانت هناك مريضة قد فرت تحمل نفس صفات أختك الجسمانية و الشكلية....لا ادري لماذا غضبت كل ذلك الغضب غير المبرر ..بالرغم من ان أختك لم تقضِ نتيجة لتلك المزحة غير 3 ايام في المستشفى بسبب تأخر الإجراءات ...لأن تلك الايام كانت ايام احتفال برأس السنة و اعياد الإستقلال.


اعتقد بذكر هذه المواقف و غيرها و غيرها و غيرها ...انك كنت شخصاً غير متعاون و كلفتني الكثير من المال و قللت مساحة المرح في حياتي ..و كمصلطح قد يستخدمه ضابط جودة (كنت غير مطابق للمواصفات و الشروط) التي رسمتها لك .. في عقلي, و بالرغم من هذا ...تقبلتك.


إلا و أنني - بالرغم من تقبلي لك- استغرب من اشياء كثيرة يكتنفها الغموض بشأننا مثل انني لا اعرف اسم والدك , او والدتك , و لم ارهما في حلمي او يقظتي او اي وقت آخر, و لا اعرف لونك المفضل , و لا فيلمك المفضل , و لا كُتبك التي تقرأها ...فكلما تخيلتك كنت قابعاً في هدوء حذر - منتظراً إحدى ثورات جنوني كما تسميها- و تقرأ جريدة , و الان و بعد التفكير تبدو ...تبدو نفس الجريدة و نفس الصفحة و ...تبدو جالساً - دائماً- ابداً نفس الجلسة..بدأت اشك انك (صنم) ..حسناً امزح معك .


ثم ...ثم انه يؤرقني و يزيد من حيرتي ...أنني خلال معرفتي الطويلة بك ...لم ارك ترتدي سوى ذلك التي شيرت ذا اللون الأصفر و ال(تلات اربع) الأسود ..مع العلم أنني ارى (دولاب ملابسك) ...غير انه يكون دائماً مُغلق ....خلال كتابتي للسطر السابق ..اشعر بـ ...هل تخبيء عني مفتاح دولابك ؟ هل تظن حقاً انني سأنفذ التهديد الذي قمت بتنفيذه ذات مرة حينما توعدتك بحرق ملابسك جميعها لأنها تُتعبني في عملية  الكي؟ ...هل تظن أنني سأفعل ذلك مجدداً ....يبدو اننا نعاني من ازمة ثقة..و انت بالذات تعاني من ازمة بخل...فما نفع المال لو لم تنفقه من وقت لآخر في شراء ملابس جديدة , و دولاب جديد و شقة جديدة !


حسناً....سأهديء اللعب -كما يُطلب مني الآن- ارغب حقاً في أن اراك و لهذا ...و اتباعاً لنصائح طبيبي النفسي فقد بدأت ببعض الخطوات الجادة في سبيل ارجاعك ....مثل أنني جودت مهارتي في الطبخ ...فصرت لا احرق الطبيخ او اترك الادام على النار  حتى يجف إلا بمعدل 4 مرات اسبوعياً من اصل الـ5 مرات التي كنت افعل فيها ذلك الشيء , بالإضافة إلا انه يمكنك ان تطمئن فقد هدأت ثورة جنوني قليلاً و ذلك لأنني بدأت بأخذ ادوية لعلاج الشيزوفرينيا و التي يبدو انني كنت اعاني منها طوال 10 سنوات مضت من عمري, و على فكرة ...كانت الشيزوفرينيا حسب كلام الطبيب هي السبب الذي جعلني خلال معرفتك بي مُصابة بألأرق , فحسب كلام الطبيب لم يكن فقداني لرغبتي في النوم بسبب هيامي بك و حبي الشديد لك ...كان مجرد عرض من اعراض الشيزوفرينيا .


آآه بالإضافة ...هل تذكرت انني ذات يوم كنت قد تشاجرت مع إحدى زوجات اصدقائك بتهمة أنها - تحسدني- على شعري مما ادى لتقصفه و تساقطه ؟ أخبرني الطبيب ايضاً ان تلك لم تكن (عين او سحر) و ان كل ما اعانيه كان بسبب إصابتي بـTrichotillomania و هو مرض يجعلني انتف شعري بنفسي ...يبدو ذلك جلياً الآن , إلا انني لم اذكر ذلك حينها بسبب اصابتي بالADD...تعرفه ؟ مرض نقص التركيز الذي اعاني منه طوال حياتي ؟ و الذي بسببه احرقت شقتنا الأخرى ؟

أخبرني الطبيب أيضاً بأنني أُعاني من الـ OCD (الوسواس القهري) و يبدو انه كان السبب في تأخري عدة مرات عن مواعيدنا في العشاء خارج المنزل , و ايضاً السبب في طردنا من 70% من المطاعم المرموقة ..بسبب شكي الذي لا يهدأ في أن الأكل في تلك الأماكن (وسخان).

الا تتفق معي عزيزي بأن العلم جميل ؟ فهو يفسر لك كل شيء .....؟

اود الان لو نلتقي .....فقط لا تظهر لي بشكلك الذي لطالما ظهرت به في احلامي ...سيكون ذلك مُخيفاً بعض الشيء ....و ...لا تظهر  لي قريباً حتى اكمل علاجي .......

آآآه نسيت ان اخبرك .....قد ترغب في أخذ بعض الوقت إجازة- لو قررت الظهور-  لأنني اعيش هذه الفترة قصة حب خيالية أخرى مع طبيبي النفسي ...فحتى ذلك الحين ...اتمنى ان تكون قد جمعت شتاتك ...و قررت الهيئة التي ترغب في ان تظهر لي بها ....لا شروط لدي .... غير اني اعلم انك تعلم بحبي الكبير لإيمنيم و لكن ارجوك لا تظهر لي على هيئته ...فهو يمتلك شعراً اشقر ..قد لا يكون المناسب للمرحلة التي امر بها .
لا بأس لو ظهرت على هيئة توم كروز (مع مراعاة ان تكون قامتك اطول منه) ...فهو لا بأس به ...غير انني اتمنى ان لا تكون السانتلوجيا هي ديانتك...كُن توم كروز مُسلم ! 
حسناً ...لن اقيدك ..و لكن تذكر أن تظهر لي بعد خروجي من هذه المصحة  التي سأقضي فيها زمناً قصيراً حوالي 5 سنوات اخرى من عمري .

آآآه تخبرني صديقة لي تعرفت عليها هنا بأن اخبرك بأن - قطار العمر- سيدهسها لو لم تظهر لي قريباً ....حسناً هي ليست 
صديقتي ..مجرد مريضة أخرى هددتها بالموت دهساً بقطار .لأنني اكره لبس المجانين الذي لا تنفك تظهر به ...لا تجزع عدلت عن فكرة دهسي لها بقطار ....نظراً لصعوبة ايجاد قطار ...السيارات تبدو خياراً اسهل ....الا تلاحظ تقدماً في حالتي ؟

حسناً...اظهر قريباً لنجلس على طاولة الحوار تلك ...و سنتفاهم على بقية الشروط ..

...أُحبك او لا افعل...و في انتظارك .او لا ...لا ادري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثنين، 3 فبراير 2014

على هامش جانبي الشعب السوداني (1): الشعب الدكتور؟

كمُصاب بوسواس قهري يجد نفسه مُجبراً على عد كل خطوة من خطواته أثناء المشي ...اجد نفسي و الشعب السوداني من حولي كذلك فيما يختص بتشخيص و علاج الأمراض ...من غير جُهد يُذكر و من غير(ُعُكوف)- و هي كلمة حقيقية على فكرة ليست ككلمة إندغام- على كُتب و مراجع الطِب البشري التي تُشيب بالرأس قبل الأوان ..فالطب , بالنسبة لي و الشعب السوداني يجري فينا مجرى الدم ...كل ما يحتاجه للتطبيق على الواقع هو : جينات سودانية , ليظهر في شكله الأبهى .

فبمجرد أن يذكر أحدهم إصابته بآلآم في الرأس- يا كافي البلاء- في جلسة (جَبَنة) عادية على سبيل التقريب للإدراك, حتى يُخيل لك أن من كُنت تُجالسهُم من مُدمني الكافيين قد تحولوا بقدرة قادر إلى دكاترة يرتدون الأبيض, فبمجرد ذكرك و لو على سبيل المزح معاناتك من آلام في الرأس حتى تبدأ مرحلة المعاينات و الأسئلة التي عادة ما تبدأ بـ :
- شربت شاي الصباح (الليلة) ؟
- شربت جبنتك ؟
- عندك وجع في بطنك ؟ (الرابط العجيب ما بين آلام البطن و وجع الرأس)
- بتشتكي من ضرسك ؟
- عندك وجع أضان ؟ ... و غيرها من سيل الأسئلة التشخيصية  و التي في الغالب , و بعد جهد جهيد , ستنتهي بنصيحة : ابلع ليك بندول .
آآه و على فكرة بعد ان اشتكيت و شخص لك (طبيب الجلسة) المرض و وصف لك العلاج...ستبدأ حلقة أخرى من هجمات الصُداع بسبب وجع رأسك , ففي العادة سيبدأ من حولك بذكر حكايات تبتديء بإصابة أحدهم كان يُعاني من (صُداع طواالي) ليكتشف فيما بعد انه كان بسبب (مشكلة في النظر) إلى اكتشاف احدهم (من اولئك الذين يعانون من الصداع طوالي) إلى (سرطان في المخ) ...و صدقني حينها سيكون لك أكثر من سبب واحد لتُصدع بشأنه .

اما في حالة كان الألم الذي تُعاني منه هو الم في البطن فإستعد رجاءً لأكوام من الوصفات البلدية التي أيضاً ستمر قبلها بأسئلة تشخيصية كـ (أكلت شنو امبارح) و (يا ويلك) لو نطقت بالخطأ انك اكلت في مطعم , المهم, تبدأ علاجات آلام البطن بـ:
=اشرب يانسون
= سف ليك حب شاي ناشف 
= موية الفول...آآآي الفول العادي دا...و الله كويسة ..قريبنا جربها ...الخ الاسطوانة .
=دق ليك حلبة و ابلعها ناشفة و في رواية أخرى لأحدهم ممن تلتصق الحلبة (المدقوقة) بلسانة و (تساهم في نشاف ريقه) ستُنصح بـ غليها مع الماء ..و شربها على الريق .
=زبادي كابو ...يا زوووول ...و الله دقيقتين بس ..الخ 
= سفن اب ...و كمان لو كان مع الزبادي ..
=اشرب جبنة سادة .
= بِل  لالوب و اشربه على الريق .
اما العلاج (الصيدلاني) رقم واحد الذي سيوصف لك هو : الفلاجيل ...و قد يُضيف لك احدهم ممن يبرز عضلاته العلاجية قائلاً : فلاجيل 500 .

اما آلام الحلق فلا تختلف كثيراً عن السابق ذكرها إلا ان اغرب علاج سمعت به قبل أيام كان نصيحة من احد الجيران لقريبة لي بأخذ (بيت ابو الزنان) (نعم ..الطيني داك) و اضافة ملح له و القليل من الماء...و مسحه على الحلق إلى ما وراء الأذن و اضاف الجار قائلاً: انا هسة خليت الكباسين ...و الله تجربي بيت ابو الزنان دا (تحلفي تقولي ما جاك مرض) ...
اما انا و بعد المرور بثلاث مراحل من الدهشة , أُصبت بإكتئاب مؤقت : يعني انت حلقك واجعك ...(بيت) ابو الزنان (يتخرب) ليه؟! 

اما -مصير بيت ابو الزنان- فهو بالتأكيد ارحم من مصير (ابو القنفذ) و كما لاحظتم(فاللعنة تلاحق الأباء هنا ابتداءً من ابو كرشولا....في المُدن , مروراً ببت ابو الزنان, انتهاءً بأبو القنفذ ..و ما خُفي كان اعظم) ...على العموم نواصل القول , بأن مصير بيت ابو الزنان ارحم من مصير ابو القنفذ , ففي المواصلات العامة - كالعادة- يعني , حدثتني رفيقة مواصلات بأنها زارت طبيب عيون و أخبرها بأنها تعاني من التهابات و ستحتاج لقطرة فحاولت كصيدلانية تذكر سعر تلك القطرة لأُملكها المعلومة, حينما قفز احدهم بمعلومة مُثيرة للإهتمام..ناصحاً رفيقة مواصلاتي تلك بـ(ذبح ابو القنفذ) و (تقطير دمه) في العين ..مواصلاً حديثه بالقول : دا علاج ناجع لوجع العين,(شوفي) بعد تجربيهو تبقى كيف ؟ ...لأُصاب بعدها بنوبة ضحك انتهت بتعليقي على كلامه : دا لو بقى فيها (شوف) بعد داك .
يعني مِيتة و ...خراب ديار ...فيما يختص بمصير الكائنات في الطب التقليدي في مجتمعنا .

على العموم و حتى لا نُطيل الحديث و اعتقد ان الفكرة وصلت, علي ان اعترف ببعض الأشياء :-
فالخدمة التي تشمل حصولك على تشخيص لمرضك عند قيام احدهم بدور الطبيب و المخبري و وصفاً للدواء كصيدلي اكلينيكي و صرفاً للدواء ...و أيضاً مجاناً (فالدواء عادة ما يكون متوفر إما تحت مخدة الشخص الذي يقوم بهذه الادوار مجتمعة او في باب ثلاجته او باب ثلاجة احد الجيران ...هي خدمة لا ريب مميزة , و قد يُفني احدهم حياته محاولاً تحقيق الحلم (بشخصية آينشتاينة في مجالات العلوم الصحية).

اما الإعتراف الثاني فهو ربما سؤال تعسفي اكثر منه اعتراف : بالنسبة للأشخاص الذين ينصحون بأشياء ك(دم القنفذ) لعلاج الالتهابات ...آآآآ ...كيف علموا ان له هذه القدرة ..لو صح الإدعاء !!!!! 
سؤال يراودني !.

بالمناسبة:  من العموميات ايضاً فمعظم الأطفال السودانيين الذين نسألهم سؤالنا الضغاط  الذي لا نجد غيره موضوعاً للونسة عند التحدث مع الصغار و هو (عايز تبقى شنو لما تكبر) ليجيبنا الطفل سواءً عن رغبة شخصية(و هو أمر نادر) او على لسانه نقلاً من
قلب أحد افراد عائلته (عايز ابقى دكتور) ...ربما هو ما يلخص ما نقوم به في الواقع, فبالرغم من ان غالبية (العايزين يبقوا دكاترة لما يكبروا) تميل اشرعة سفنهم بسبب رياح الواقع و ظروفه نحو سلوك مسلك آخر, إلا ان عُقدة (داير ابقى دكتور) تظل ترافقنا ,فنصبح  ظاهرياً في مهنة و ...(باطنيا) او في اللاوعي (أطباء)..مجرد تحليل نفسي قد يمُت او لا يمُت للواقع بصلة ...لا ادري.


على العموم (آخر على العموم): مجال الصيدلة عموماً و (علم الادوية) خصوصاً اعتمد في قيامه كعلم من اهم العلوم الصيدلانية على اُسس نظرية و تجريبية للتحقق من امتلاك بعض النباتات خصائص علاجية (بعد ان كان امتلاكها لها غير مؤكد ) ...خُصر الكلام: قد نسمع في يوم من الايام ان (الظَهَرة) او (بيت ابو الزنان) لديهما قدرات علاجية بحتة في اجسامنا ...و حتى ذلك الحين ..يبقى ما قيل بحاجة إلى اثبات او نفي ...(بالنسبة للأشياء غير المألوفة نتحدث) .

آآآه ....كنا بنقول شنو ؟ شعب دكتور و كدة ؟ 
يللا كفاية معط ...

الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

دليلك للمواصلات في الخرطوم .

قيل ان الدال على الخير كفاعله ...تطبيقاً لهذا المبدأ و مبدأ الـمهنية الكتابية الذي لا ارتبط به من قريب او بعيد دعوني اوضح ان هذه  التدوينة قد تمثل (اي شيء) الا مُفيدة ! 
--------------------------------------------------------------------------------

في الوقت الذي كان العالم يطبق فيه الانتقال السلمي للسُلطة ...كنا نطبق في السودان الانتقال السلمي للـ(مواقف) ..مواقف البصات (النقل العام)  !
و من تغيير المواقف و ما صاحبها من ضجة إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي و على غير المتوقع وقعت انا فريسة لحب موقف (شرّوني) و كنت حينها في اليمن , فأصبحت متهللة ببشائر هذا الحب و في انتظار اليوم الذي التقي فيه هذا الموقف ليكون بداية رحلة تنقلي في الخرطوم (العاصمة المثلثة) !

و بما ان الحب (أعمى و اطرش و يمشي بطريقة فستونية) فقد تغاضيت عن اسم شرَوني و تصرفت كشخصية عميقة و انتظرت -على امل لقاء الحبيب- (5) اشهر لأقابل فيها الموقف المزعوم ...حتى كان اليوم الذي اخبرني فيه أخي الأصغر بأننا في زيارة لبيت قريبة لنا و ...سنذهب عن طريق شّروني !

كانت تلك الكلمات كافية جداً لإيقاظ مغنية الاوبرا الايطالية التي تقبع في دواخلي المشرذمة , فقامت تلك المغنية ذات الشعر الاسود الداكن و التي يتكون اسمها من مقاطع اكثر من تلك التي تحتويها كلمة -Congratulations - الانجليزية بالغناء بصوت فرح , يعلو حيناً و ينخفض احياناً , مما ايقظ في دواخلي بقية الجوقة الموسيقية التي تتكون من مغني اوبرا ايطالية آخر يشبه صوته صوت الرجل الذي يغني في دعاية- فريرو روشيه- بالاضافة إلى بعض شخصيات افلام ال- animation- مثل فيلم (brave ) و (Wreck-It- Ralph) و آخرين لا مجال لذكرهم .
و رغم ان الشمس كانت تضرب ب(سوط عنج) و تمارس جميع اشكال التعذيب في الجموع المتجهة للموقف ...إلا انها لم تثنيني عن مشواري و لم تغير من تردد موجات الفرح بداخلي .
وصلت إلى شرّوني و كان اللقاء ...فجأة انقطعت اصوات الغناء في رأسي و وقف جميع من بداخلي لينظروا ...و بالرغم من أنني كنت قد جهزت فيما جهزت له عبارة (الصمت في حرم الجمال ..جمال) إلا أن صمتي حينها كان بسبب (الصدمة) !
صدمة العدد او الكثرة , صدمة تبدد الحب من كلمة (زحمة) , صدمة جعلتني استخدم بعض اسماء الإشارة في العامية السودانية للتعبير عن هول العدد لأكون جمل استفاهمية تخلو من الفائدة و نصها هو : (ده شرّوني ؟! ) لأتذكر بعدها عبارة من اغنية للراحل محمود عبد العزيز حينما غنى ( لو الريد عشم و حظوظ ...اكيد يا قلبي ما محظوظ) ...لا بالجد ...ده شرّوني ؟!!!!

ثم توالت أسماء الاشارة السودانية تباعاً  بعد ان اخبرني أخي بأن وجهتنا ان نستغل بصات (الشعبية) و اشار عند سؤالي له عن مكان بصات الشعبية بالقول (هنديلااااك) و بالرغم من ان كلمة (هـنديلاك ) تحمل في طياتها معاني (توفر حيوي) للبصات ...إلا ان معانيها تبخرت في الشمس توازياً مع الكم البشري العددي في الموقف , لتتوالى بعدها اسئلتي المتعلقة بالصدمة  و التي كان بعضها :  يعني هسة الخلق (ديل) كلهم ماشيين الشعبية ؟ (ديلاك) برضو ؟؟ و (ديك ) كمان ؟! يااخي الناس دي ما جادة و الله !!!!

تقبلت بعد حوالي ربع ساعة من الوقوف في الموقف في انتظار بصيص امل لبص قد يأتي و قد لا يفعل معنى كلمة (زحمة) سكانية في معناها الاوسع ...و لكأن شرّوني في حُلته تلك عبارة عن مؤسسة تعليمية كبرى تمتليء بطلاب المدارس و الجامعات او مؤسسة حكومية تمتليء بالموظفين ....بل ربما يصح القول ان شّروني هو (الخرطوم) ....مُصغرة !

- بعد لحظات من التفكير : الجميع متساوون في شرّوني , حيث لا مجال للواسطات و حيث ان على الجميع بذل نفس الجهد للحصول على مقعد مناسب ...او مجرد مقعد ...ربما يمثل شرّوني بشكل ما حلم وطن ...يتساوى الجميع في حرمه ...ربما !! 

بعيداً  عن الدراما في السطر السابق ...و اكمالاً للموضوع , فبعد التقبل للزحمة جاءت مرحلة التعامل مع الزحمة للحصول على مقعد لكي نصل لوجهتنا , فبدأ اخي بسؤالي عن مدى قدرتي على (المدافرة) وسط هذه الجموع ...لأجيبه ب(لأ , برستيجي ما بيسمح لي) ...لأسمع بعدها تهشم اصوات اماني اخي بعد وقوعها ارضاً....لتبدأ من جديد رحلة انتظار الفرج) , ليحدث ما لم يكن في الحسبان , مشهد يشبه افلام هوليوود ...عندما يكون امل المشجعين في فريقهم او لاعبهم او راقصهم المفضل قد بدأ يلفظ انفاسه فيحدث امر اشبه بمعجزة و تبدأ الآمال و الاحلام بالتعافي بفوز البطل و انتصاره , و بعيداً عن هوليوود فقد جاء  في ذلك اليوم -على غير العادة- بص فارغ من جهة غير التي يقف فيها الجميع ....و كانت المفاجأة السارة بأننا كنا اول من يصعد على البص و في اريحية تامة وصلنا للشعبية !

و بما ان موضوع المواصلات في السودان يشبه حلقات المسلسلات المكسيكية الطويلة جداً (او التركية التافهة جداً) فدعوني اوضح بأنه من الصعب جداً او قريباً من  الاستحالة ان تصل في الخرطوم لمكان ما بـ (بص واااحد) , لهذا السبب كان علينا ان نستغل (بص) معاناة آخر ...مررت فيه بصدمة أخرى على لسان أخي عندما اخبرني بأن (امبدة في امدرمان) ...و لكأن صدمة مقابلة شروني لم تكن كافية , الا ان الفرق هنا انني لم احسب قط بأن (أُمبدة) موجودة في امدرمان ...مع ملاحظتي في هذه اللحظات ان الحروف الاولى لهما هي نفسها (الف و ميم) ...آآآآآآه بالرغم من انها ملاحظة ذكية لتسهيل الحفظ إلا انني (امزح) فيها ! 

على العموم : علمتني المواصلات في الخرطوم اشياء كثيرة في فترة (الأسبوعين) التي قضيتها هناك ...و لهذا و لحين تعلم امور أخرى دعوني ابدأ بكتابة بعض القواعد العامة للمواصلات و النقل العام في بلادنا ...منعاً للصدمة و (الدقسة) :-

 البند (1) : وسع صدرك 
- ليس من المستبعد بتاتاً جلوس شخص بجانبك يقرأ معك جريدتك بنفس واحد ...و قد يسبقك ايضاً  و يطلب منك في حالة كان الموضوع الذي يقرأه على صفحة رقم (1) ان تفتح الصفحة رقم (10) لقراءة التتمة  .

- وسع صدرك لو قام احدهم بطلب اسم الكتاب الذي تقرأه و أخذه و ....بدأ بقراءته إلى صفحة (8) في الاثناء التي تنتظر منه فيها ان يقوم بمناولتك للكتاب .

(2) البند : خليك حساس 
- عندما يقف سائق البص في مكان وصلت فيه الزحمة الحد لدرجة ان الطريق بالنسبة له و لك اصبح طريق مسدود ...لا تغادر البص ...مراعاة لمشاعر السائق , و حتى لا تنطبق فيك عبارات أغنية (عمليتك ما ظريفة و ...حركتك جبانة) ...ابقى مع السائق (عشان تونسه) و الله يجبر بخاطرك يااخي المسلم . ( إهداء خاص من جمعية جبر خواطر اصحاب البصات من محبي الفنانة شيرين عبدالوهاب)

(3) البند : لا تدقس أخي المسلم :
لا تدقس لأن الاسطورة تقول ان هناك إمرأة (تحوم) في بصات الخرطوم تتبع لمصلحة حكومية و ترتدي طرحة و لها وجه يشبه اوجه (20%) من السودانيات ...ستقوم بإقناعك بأن تجلس في المقعد القريب من الشباك وسط اصرارها على الجلوس في المقعد القريب من المقاعد المتحركة في الوسط ..و ستحسب انت انها (طيبة) و ما عايزة (تجهجهك) و تقوم بزعزعة استقرارك البصي لأنها ستنزل قريباً...و هذا مجرد افتراء واضح ...فكل ما ترغب فيه هي ان ...حسناً ...كيف اصيغ هذه العبارة ؟ ان تُجلسك انت بجانب الشباك لكي تقوم الشمس بالواجب معك و عذرها في ذلك انها (تعاني صداعاً) *حقيقي*

البند (4) : اياك و اصحاب الـعفش الكتير :
حسب الإحصائيات الاممية (المقطوعة من الراس) ففي كل 67 شخص يصعدون للبص من غير امتعة ثقيلة هناك شخص يحمل الكثير منها و يعوض عن البقية , عليك عزيزي القاريء الحذر من الجلوس في المقعد الداخلي (الجمب الشباك) عندما يقعد (حمّال) الامتعة بجانبك , خاصة لو كانت إمرأة , لأنك عندما يحين وقت الافراج عنك من البص ...ستعاني كثيراً بسبب العفش اولاً و بسبب المرأة ثانياً و التي ستجعلك بسبب اقتراحاتها الغريبة بالقفز بالخلف من المقعد بإعطائك احساس انك (كومبارس) في فيلم اكشن لـ (توم كروز), هذا عوضاَ عن عملية التأخير في الوقت و التي ستقرر هي القيام بها بعد ان تكون قد استنفذت كل اقتراحاتها التي تشبه اقتراحات حكومات الوحدة الوطنية التي (لا بتودي و لا بتجيب) !

(5) البند : الفي مقعده فرط دقس ..
عزيزتي الفتاة او المرأة على وجه العموم : في حالة قام احد الرجال المحترمين جداً من مقعده لكي يسمح لك بالجلوس فيه فيرجى اغتنام الفرصة سريعاً و الجلوس ثم بعد ذلك تبدأ عملية (الشكر و العرفان) ...و احذري من الشافع الذي (ينزغم) من مكان مجهول لتجديه استغل فرصة خلو مقعد ...و حتى لا تكوني من الذين ينطبق عليهم قول الشاعر  (الفي مقعده فرط دقس ...يجي شافع يعمل ليهو مقص) ....هذا  و وفقنا الله للخير .


و بما انني اطلت الحديث في هذه التدوينة فلنختمها بـهذه المعلومات غير الموثوقة و التي اوردتها في وثيقة (قوانين سودانية , باب المواصلات) :-

- احتمالية جلوسك في بص بجانب شخص معاااط  و زعاط و يتحدث في التلفون بصوت عالي هي 95% . مع ارتفاع هذه الاحتمالية إلى 99% لو كنت مصاباً بصداع .

- احتمالية جلوسك - عزيزتي الفاضلة- في مقعد تضرب فيه الشمس و تكرهك عيشتك كضمير حي لقاتل ...تزداد بإزدياد قيمة الكريمات المستخدمة للتخلص من آثار هذه الشمس على بشرتك .

- البص الفاضي ...المتوجه إلى نفس وجهتك التي نويتها ...ابعد ما سيكون عنك !

-البص الفاضي...الذي كنت بإنتظاره كل يوم من ايام السنة ليوصلك لجهة معينة متوفر ...في اليوم الذي تقرر فيه ان تصعد مواصلة أخرى , حيث ترتفع نسبة رؤيتك لبص فاضي و انت على متن (رقشة او ركشة او توك توك) إلى 101% .

- تتناسب وفرة البصات في موقف ما تناسباً عكسياً مع اهمية المشوار الذي تنوي الذهاب إليه .
- احتمالية (توسخك) بالزيت في  بص نقل عام ...تزداد بزيادة حساسية الملابس التي ترتديها و قيمتها .

- في حالة كان الجو حاراً احتمالية وجود خلل في فتح الشباك الذي بجانبك ...يرتفع .

- تتجاوز احتمالية وقوفك شماعة في بص الوالي الـ95% .
- تنخفض سرعة تحرك البص الذي تستغله كلما كنت مستعجلاً للوصول ...مع احتمالية زيادة الازدحام المروري ب166% في ذلك الوقت.

- الفتاة الجميلة-عزيزي الشاب- على الارض تمشي في حالة كنت انت على متن البص و على البص موجودة في حالة كنت انت على الارض و في حالة كنتما الاثنين على الارض و في انتظار نفس البص ...تزداد نسبة انكما ستصعدان بصين مختلفين- بقدرة قادر- بحوالي 99% عن النسبة الطبيعية . (طريقك مسدود ....ما تعلق قلبك بيها)

أخيراً و من قبيل (التقدير) ..أعجبني مقترح احد الساخرين من ذوي الاحاسيس المرهفة و الذي قام فيه بالطلب من الشركات المُضنعة للهواتف النقالة بأن يخترعوا جهاز موبايل بشاشتين ..واحدة لمالك الهاتف و الشاشة الأخرى ..لمن يقعد بجانبه في البص.
(عشان ما تقولوا حارمينكم من حاجة و بالله كلموا الشقيري عن المراعاة الاخلاقية دي في العالم العربي ..كفاية يابان)

يللا .... و كفاية معط كمان ...نشوفكم على خير :)



السبت، 7 سبتمبر 2013

خطوط الأطباء و التدريب في صيدلية!

تقول معلومة انترنتية - اؤمن بصحتها- بأن اهتمام الاشخاص من حولك بحديث معين يزيد عندما يكون ذلك الحديث همساً , ربما و من غير محاولات للتفكير العميق و العقيم ندرك بأن السبب في ذلك ربما يكون وجود فكرة ان الحديث همساً هو حديث "سري و هام" و بنفس المبدأ اعتقد ان اهتمام الاشخاص بشكل عام بخط الدكاترة او ما يعرف بـ "طلاسمهم" ربما يكون بسبب اعتقادهم انهم يحملون بين ايديهم سراً ...لا يقدر على فك رموزه بأي شكل الا بمساعدة الصيدلي "العراف" !


اما انا كمشروع "عرافة" في نظر المجتمع و صيدلانية "في عُرفي الشخصي" فاهتمامي بخط الدكاترة يفوق قليلاً حد معرفته لفك تلك الطلاسم لغرض معرفي ...بل اهتمامي به بسبب انني صيدلانية ...و هو المجال الذي فضلته على غيره في احد الايام ...و قبل ان اعيش قصتي مع خطوط الاطباء !


اثارتي لموضوع سوء خط الدكاترة و – دقي للجرس فيه – سببه تدريبي مؤخراً في صيدلية إحدى المستشفيات الحكومية ...حيث تصر على الظهور وصفات طبية مكتوبة بكتابات الاسهل من تعلم قراءتها ربما تعلم المسمارية او الهيروغليفية او حتى اليابانية !!

اصرت هذه الوصفات على ان تكون مسبب اولي لضياع هيبتي الصيدلانية و التي ما ان تشم رائحة العافية بسبب (خط دكتور مقروء) حتى يصيبها المرض و تغادرها العافية التي اكتُسِبت بشق الانفس بسبب خط آخر لدكتور لا يُراعي الله في مشاعري الصيدلانية.


المشكلة في انه و غير (هيبتي الصيدلانية الضائعة) ان خطوط الاطباء السيئة تساهم و بشكل فعال في تدمير (ثقتي الصيدلانية) ....و للوقت و التاريخ -و ما يجره كليهما من اهوال - علي ان اعترف بأنني اصاب بحالة من تدني الثقة بالنفس مع كل وصفة طبية حاضرة "لدكتور من ذوي الخط غير الواضح"....حتى انني صرت اواصل العودة للصيدلي الاقدم مني في جميع الحالات ....ففي حالة كنت لا استطيع قراءة الخط اذهب للصيدلي ليقرأ لي ما كُتب...و في حالة كنت استطيع قراءة الخط (و هي حالات نادرة) اذهب للصيدلي (ايضاً) فرحة بما اتاني الله من قدرة عجائبية ...كأنني طفلة صغيرة تنتظر قطعة من الحلوى عندما تحسن التصرف !

اكملت اكثر من شهر من التدريب في صيدلية المشفى الذي سبق الحديث عنه ...و كلما اعتقدت جازمة بأنني تمكنت من اتقان قراءة خطوط الدكاترة و تيقنت بامتلاكي لتلك الموهبة الخرافية التي يملكها الصيدلي المُخضرم في "ربط اول حرفين من اسم دواء ...بدواء موجود على الواقع "...تفاجأت بأن هناك كلمات جديدة ترفض إلا ان تكون إحدى مسببات صداعي و استيائي !!!


كثيراً ما تصلني إحدى الوصفات الطبية و التي تجعلني اشك في جدوى خمس سنوات من الدراسة ...فأمسك بالوصفة اقلبها ذات اليمين و ذات الشمال , ثم احاول عبثاً لبس قناع الثقة بقدرتي على قراءتها و هو القناع الذي يسقط عندما اتأكد من الصيدلي الاقدم مني بأن كلمة "فندول" هي في الحقيقة "بندول".... ثم بعد تساقط قناع الثقة ووضعي لقناع "اللامبالاة" تبدأ معاناة من نوع آخر...لا يستطيع فهمها إلا "صرصور" كافكا في كتابه المسخ ...فابدأ بالدوران للخلف لإيجاد الرف المعني (الموجود فيه الدواء" ثم الالتفات
يمنة و يساراً ثم اعلى و اسفل ..ثم اتقدم نحو الامام خطوات قليلة لأكتشف بعد عدة ثوان من دوراني المستمر و المرتبك بعد ان تكون الشكوك قد بدأت باللعب في عقلية المريض بأنني ربما و من المحتمل اقوم باداء الرقص الدائري "رقصة دراويش المولد " .....لاسمع الصيدلي يخبرني بأن الدواء "هُنا"...و "هنا" هذه في الغالب ما تكون في مكان ما كنت انظر اليه بعيني فقط دون ادراكي
لأتذكر بعدها العبارة التي ترددها والدتي بأن "الشوف بالقلب" ...و غالباً ما يتسلل لذاكرتي بعد ذلك رد اخي الاكبر محمد عندما كان طفلاً بعد سماعه لهذه العبارة موجهاً السؤال لقلبه "يا قلبي انت بتشوف وين"؟َ!!!!.....مممم ما علينا !


                                                         دراويش المولد ...الرقصة الدائرية 


اعتقد انك بعد قراءتك لما سبق ستدرك شيئاً مهماً و هو ان الصيادلة لا يولدون و هم يملكون موهبة قراءة اردأ خطوط الوصفات الطبية....بل في الحقيقة هم يعانون في باديء الامر ....ثم تتقلص المعاناة بعد مضي بعض الوقت و ما تلبث ان تنتهي ....فتصبح العلاقة بين خطوط الدكاترة و الصيادلة كعلاقة زواج خالية من الحب ...قائمة على العشرة و ربما صَعُب فيها الطلاق بسبب ظروف الحياة ......


عندما حاولت ان اكتب هذا الموضوع قررت اولاً ان اجمع بعض المعلومات التي تهمني عن خط الدكاترة فوجدت سؤالاً قام احدهم بطرحه عن ما السبب في ان خط الدكاترة لا يقرأه الا الصيدلي؟!....ليقول بعض الطرفاء بأن الأطباء يدرسون في سنتهم الدراسية الأولى كيفية الكتابة بتلك الطريقة "الخرابيش"...بينما يدرس الصيادلة في نفس الوقت "كيفية قراءة تلك الخطوط" و هذا القول طُرفة لا وجود لها في الواقع....و لو وجدت لتم تصنيفها تحت بند (مُسبب اولي للسعادة...في رحلة حياة الصيدلي المبتدئ) !!!
فنحن لا ندرس كيفية قراءة خربشاتهم .... و هم بالتأكيد لديهم ما هو اهم من تعلم كيفية الكتابة بتلك الطريقة و هو معرفة الجسم البشري و ما يضعفه ويمرضه و كيفية علاج ما يُلم به من داء ....الخ .


تبريريون بلا حدود :-
شغل موضوع سوء خط الدكاترة الكثيرين من قبلي...و غالبيتهم من قبيل الحشرية المعرفية , فحاول البعض جاهداً تقديم تفسيرات لسوء الخط السابق ذكره ...فالبعض يرى ان السبب يعود بشكل اساسي لكون الاطباء خلال اهوال دراستهم مروا بالكثير لدرجة ان جمال الخط في نظرهم اصبح من الامور الثالثوية و ليست الثانوية فحسب و هي النقطة التي تبدأ عندها مشاكلي كـ ...صيدلانية !

اما السبب الآخر الذي تراه هذه المجموعة ان سوء الخط مشكلة مرتبطة اساساً بالزحمة و العجلة....اي كون عيادة طبيب ما مليئة بالمرضى و عليه الكتابة بسرعة لغرض "تمشية المرضى".... لتكون النتيجة هي تلك التي لا تفرح صيدلي و لا تسر مريض.
 (-_-)


مشهد حقيقي في مسرحية حياتي كمتدربة :-
قبل اسبوعين تقريباً... حضر لي احدهم بإحدى تلك الوصفات وبما أنني اقف خلف النضد الخشبي كـ "صيدلانية" متدربة...طلب مني المريض ان اقرأ له ما كُتب في تلك الوصفة لعدم قدرته على فرز الحروف التي تشابكت كمجموعة من فروع اشجار شوكية وضعت رديفة بعضها ..



فدار الحوار القصير التالي :-
الرجل : ما قادر اقرا الورقة دي مكتوب فيها شنو ...كدي وريني الدكتور دا كتب لي شنو ؟
انا (و بعد النظر إلى الوصفة لبعض الوقت ) :- سبحان الله ....تصور واقفة هنا و بسأل نفسي نفس السؤال دا...!!
انتهى الموقف و رغم عفويته بالمريض ضاحكاً من الرد غير المتوقع ...و بي ضاحكة على خمس سنين من الدراسة الحقيقية التي ضاعت خلف وصفة طبية تذروها الرياح ...و بالصيدلي ضاحكاً ايضاً امام الفشل الذريع الذي يواصل مد يده لي في سلام .



سؤال تعسفي :-
يعني الان فرضاً فرضاً ...لو كانت جميع خطوط الاطباء جميلة و رائعة و سهلة القراءة...الن تكون مهمة الصيدلي مهمة "غير مهمة" ...و هي فقط "البحث" بين الرفوف عن الدواء و مناولته للمريض ؟!!!!!!!!
من وجهة النظر هذه ...علي ان اعترف ان خط الاطباء الذي لا يقدرعلى قراءته غير صيدلي متمرس ....يرضي غروري الصيدلاني !!


الاثنين، 8 يوليو 2013

عزيزي السودان ...سعيدة بمقابلتك (2) !

توجهنا  إلى القرية , و مرة أخرى لفتت نظري مزارع (حواشات) غالبيتها مزروعة بقصب السكر , ثم وصلنا إلى منزل جدتي (رحمها الله)  و توقفت سيارتنا امام المنزل ...المنزل الذي قضيت فيه ايام جميلة من حياتي ....المنزل الذي اعتدنا على زيارة جدتي الراحلة (فاطمة ابراهيم) فيه...و بالرغم من انني اعلم انها توفيت منذ عامين و ثلاثة أشهر إلا أن شيء ما بداخلي  كان ينتظر ان يراها واقفة على ذلك الباب الحديدي ....قطع دفق مشاعري تلك صوت إحدى خالاتي و التي استقبلتني بالأحضان و عزتني في وفاة جدتي ....لم أصدق تلك اللحظات ...كأن الامر برمته كان حلماً ....

ثم لا زلت ارى وجوهاً تركتها منذ زمن بعيد , تذكرت وجوه خالاتي اللائي كن يقفن على الممر الموصل إلى داخل (البيت الكبير) , و لا زالت الدموع تنهمر ...دموع حزن و دموع فرح ....امتزجت بطريقة غريبة لتخرج فقط كما خرجت ذلك اليوم ....

ثم قابلت الجيل اليافع من العائلة...الجيل الذي غادرت ولم يكن معظمه قد وفد إلى الحياة ...البعض كنت قد رأيت صورهم ...و البعض الآخر تعرفت عليه بالشبه ....و آخرون تم تعريفي بهم ....

جلست في (برندتنا) بعد ان اكملت السلام على خالاتي وبعض الصغار لأخذ نفس  من رحلة الـ (18) ساعة ...ابتداءً من لحظة خروجي من منزلنا في اليمن و حتى ساعة وصولنا للـبيت الكبير في قريتنا ...لم يكن هناك مجالاً إلا لِشرب ماء و بالرغم من تعبي الجسدي بسبب عدم الراحة و عدم حصولي على النوم لساعات طويلة جداً ...إلا أنه فيما كان يبدو أن ذلك اليوم كان في اوله ...على الاقل بالنسبة لي !!
تخلصت من الكعب العالي (الذي لا زلت اصر على ذكره) بعد ان سجلت رقماً قياسياً في ارتدائه , ثم ابتدأ (مسلسل السلام) ...بجملة حفظتها و لا زالت تتكرر ( يا معالي ....قالوا ليكي تعالي سلمي) ....و من كثرة سماعي لهذه الجملة ....و في كل لحظة اسمع فيها اسمي متمثلاً في (يا معالي) ...اردد مع القائل بنَفَس واحد ( قالوا ليكي تعالي سلمي) ...و كلمة (تعالي) كانت فعل (توجيه) للحوش في الخارج  ..
استمر الوضع على ما هو عليه ....البعض لم اتذكر وجوههم بتاتاً البتة , بينما احتفظت ذاكرتي الانتقائية ببعض الوجوه غير المتوقعة ..... و في أثناء السلام قابلتني بعض الجُمَل التي عمدت ذاكرتي على وضع خطوط تحتها ...مثل جملة ( ما شاء الله كبرتي ) ....يعني بالله غيبة لمدة 13 سنة ...المفروض احتفظ فيها بجسد تلك الفتاة التي غادرت في الـ 10 من عمرها ؟! ...على كدة حيكون عندي مشكلة في هرمون النمو !!
مممم ....ثم هناك نوع خاص جداً من جمليمكن تصنيفها تحت بند (اسئلة تعسفية) مثل :-  (عرفتيني؟؟!) و (متذكراني ولا نسيتيني؟؟؟) ........ وبالرغم من انني ملكة الاسئلة التعسفية ..إلا ان هذه الجمل (قضت على مستقبلي التعسفي) ...ليجيب صوت العقل الخافت ( اعفوني عليكم الله  من السؤال دا -_- )
ثم هناك لحظات اعترف فيها وبكامل ارادتي انني استخدمت فيها اسلوب الـ(غتاتة) و كمثال عندما سألني أحد الخيلان (جمع خال و كدة) ...عن  ( متذكرة يوم طبزتيني في عيني ؟؟) ...فأجبته بسرعة لا ...بالرغم من ان عقلي كان قد بدأ بإظهار خيوط تلك الحادثة....المؤسفة .
استمر السلام على الأهل الذين كان يتوافدون من المنازل المجاورة ...و كانت إحدى بنات خالتي تصر على الضحك علي و اخباري بأنني بعد انتهاء السلام سأحمل يدي بطريقة معينة و انا ...متألمة !!!
ثم و اثناء جلوسنا في الحوش و لا زال الاهل يتوافدون ....دخل (وافد) غريب ....خروف , خروف  الكرامة ...... (كرامة العودة ) إلى تراب الوطن  يجره اخواني .....كنت افكر تلك اللحظات (بـ  درامية) بأنني و ذلك الخروف من الاستحالة أن نعيش في نفس الوطن ....يعني باختصار ( يا انا يا هو في البلد دي ) ....
 جلسنا بعد فترة للغداء .....و يااا سلام على طعم (لحمة ) السودان ....نعم ...كان هذا تفكيري ....طعم اللحمة السودانية لا يضاهيه طعم ....استمتعنا بالغداء ....و كانت متعتي بالغداء أكبر عندما أخبرتني إبنة خالتي بأن اليوم يشبه ايام العيد ....لأن الاهل مجتمعين ....ياااه ....ما الذي قد يسر الخاطر اكثر من سماع عبارة تشبه هذه ؟! ....حسناً ...ربما طعم (لحمة) السودان .
الغريب أن احدهم اخبرني بأنني اكل بـ (يدي) الاثنتين ....حسناً لم اكن اشعر بأنني ادمر برستيجي بأي طريقة ...إلا حينما جلسنا على (صينية) الغداء في اليوم الثاني حينما سألتني  إحدى بنات خالاتي سؤالاً تحت البند (تعسفي مستفز) قائلةً : (ليه ما بتاكلي بيدينك الاتنين زي امباارح ) ...!!!
على العموم : اساساً دا ما استايلي  ...كنت جائعة و الضرورة تبيح المحظورات ...و الجوع يدمر البرستيج (-_-) ... و بارك الله فيمن نسي و تغاضى و عمل روحه ما شايف يا هناية (-_-) .
 نرجع لليوم الاول ....اكتمل ذلك اليوم ...لا ادري كيف ...و لم احفظ من وجوه الاشخاص الذين اتوا للسلام علي ....إلا من كنت احفظ اسمائهم او وجوههم سلفاً ....
 جاء وقت النوم ....لم اصدق ....نعم ما احلى السرير بعد سكة السفر و السلام الطويلة هذه ....لا اتذكر أنني حلمت تلك الليلة بشيء ...كان شعوراً يشبه تحقيق طموح كبير ... كأن اللقاء بـالبيت الكبير و العائلة لم يكن ليكون اروع ....
استيقظت يوم السبت ....و كأن الحال لا زال كما هو ....المزيد من المُحَمِدين على سلامتنا ....البعض في المطبخ , البعض ينظف ...حاولت جاهدة أن (اتحشر) داخل ذلك البرنامج لألغي من بعض العقول فكرة أنني (ضيفة) ...إلا أن ذلك لم يشفع ....لي !!
 بقدوم المساء بدأ البعض في مغادرة المنزل لأن الأحد (اليوم التالي) كان اول يوم دوام , تركوا المنزل خفيفاً جداً ...
جاء يوم الاحد و لأن المنزل كان خالياً من طلاب المدارس و المداومين.. كنت قد قررت استلام مهامي في تنظيف المنزل لمساعدة والدتي و خالتي , و كان لي ذلك ...تعرفت خلال ذلك اليوم على (مصنع التراب) ...و هو بالتقريب لقب يجوز اطلاقه على كل منزل في السودان ...لأنك ( لو كنست الان و جيت تكنس بعد دقيقتين ...حيطلع معاك تراب....من حيث لا تحتسب ) !!!
قابلني في اول غرفة اقرر تنظيفها كائن حي ...حرمتني ظروف الغربة من (مزاحمته) في بيئته الطبيعية ...كان هذا الكائن هو الثعبان ( الدبيب) و الذي و بفطرتي السودانية تجنبت وقوفه بجانبي بالقفز و بكل هدوء و قمت بمناداة الوالدة وانا انظر لمكانه و اخبرتها بأن (في دبيب في الغرفة دي ) ...ذًهلت والدتي لأنهم (حسب تصريحاتهم) ما شافوا دبيب في البيت دا من زمن طويل ....و بالتقريب كان المقصود من وراء العبارة  ( انتي جيتي بي دبايبك ) (-_-) ....لا يهم ...احمد الله على إن (بطني ما فيها حُرقُص)....
اعتقد و بعد ان ان قضيت الان في السودان فترة (شهر الا كم يوم) بأن ذلك الثعبان كان (إشارة) ...ربما كان معناها ( ما تبدي تكنسي من الليلة....الراجيك كتير...اعملي مغتربة و كدة  )....المهم ....اكملت ذلك اليوم من النظافة الشاقة ...و جاء يوم الثلاثاء ..وقمت بتنظيف المنزل لافاجأ بـ (ثعبان) آخر ....كان ميتاً نتيجة لحادث (عفصة بالباب) من احد المارة ..... قررت حينها ان اخرج عن صمتي و اعبر عن مخاوفي بالقول ( يوم الاحد طلع لي دبيب ...يوم الاتنين ما طلع ...يوم الثلاثاء طلع لي واحد ميت ....يوم الخميس اتوقع واحد ولا كيف ؟!)
كان ذلك الثعبان غيض من فيض فيما يخص الكائنات الحية المتوفرة في حلفا ...او ربما في السودان بشكل عام .....فهناك الضببة ( جمع ضب)  متوفرة و بأحجام مختلفة , ثم هناك الـفئران ...و هي ليست فئران (بني آدمية)  طبيعية ...بل هي فئران تشبه غضب الطبيعة فئران الـ (جِقِر) ..أعتقد ان هذا اسمها ....ثم هناك الجنادب (الصراصير) و السحالي ( ممكن تكون ضب صغيرون ؟! ...ممكن) ... ثم الذباب بأشكاله الموسمية المختلفة ....ثم في الليل حيث حفيف الاشجار و (سيمفونية الضفادع) ...(قاااق قااااق ....قاااااق ...قااااااق ....إلى آخر الليل ) ....
ثم هناك العقارب و التي لم ارها حتى الان....ثم العناكب ....ثم (ابو الزنان) و ...النمل الاسود ( الذي كنت احسبه في الجاهلية الاولى نمل طيب ...كنت احرص على حياته ) ...حتى جاء ذلك اليوم الذي سألت فيه احدى بنات خالاتي بعد ان نصحتني برفع أرجلي عن الارض ( يعني النمل دا بيعضي ؟! ...فاجابتني : لا بيكلكل(-_-) ...على العموم....جربت في يوم آخر  عضة النملة السوداء ...و ليس في اليد غير قول (حسبي الله و نعم الوكيل) ....و (البعوض) ...و هل يخفى البعوض ....ثم هناك (ابو المقص) ...و ....حسناً احتاج لموسوعة كائنات حية لحصر هذه المخلوقات !!!

بعد ان مضى الان شهر (إلا كم يوم) ...و بعد ان رأيت ثعبانين و تعرضت للعض من النمل الاسود  بالاضافة لكائن خرافي آخر كانت طعنته تشبه طعنة ابرة الحقنة.. و ضايقني الذباب في نومي  ...و بعد ان صرت أنظر إلى قدمي و لا اعرف تفاصيلها (بسبب التراب) ...و بعد ان ضربتني الشمس و تركت آثارها على جسدي و وجهي ....و بعد ان عانيت الامرين من تغيير الجو متمثلاً ذلك في حبوب على الوجه لم يسبق لها مثيل ....و ....حسناً ....هل يجوز إطلاق لقب مواطنة سودانية علي ؟ مع العلم انني احمل الجنسية السودانية منذ العام 2006م ...؟!

على هامش جانبي :-
أعتقد ان جورج اورويل كان محقاً حينما قال : "لم يعد هناك مكان آمن سوى سنتميترات مربعة في الجمجمة" ...
حسناً لا تذهبوا بعيداً ...ف الكلام هنا عن (الكائنات الحية و توفرها في السودان) فما من حفرة على الارض او الحائط او تراب او حتى (بلاط) إلا و فيها كائن حي !
نكمل في الجزء الثالث ...دمتم بود ..

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

عزيزي السودان ...سعيدة بمقابلتك !

لا أعلم من اين يبدأ الكُتاب و الشعراء  و غيرهم حديثهم عن الوطن و  الحنين إليه ...و لكن ما يريحني فيما سأكتب أنني مقتنعة منذ القِدم (قبل سنتين كدة) أنني تلك العِلكة (اللبانة) الملتصقة على شعر مجتمع الكتُاب  ....لهذا علي أن لا استاء من عدم قدرتي على وصف الوطن و الطريق إليه ...وفي حالة القدوم بطائرة ...فـ وصف الجو العام الموصل للمكان الذي غادرته قبل 13 عاماً إلا (3 أشهر) !

حسناً علي أن اوضح بأنني و رغم كل ما كتبته عن رحلة العودة المرتقبة إلى وطني فانا لم استوعب حقيقة أنني في يوم الخميس (الموافق الـ 13 من يونيو 2013م)  الساعة التاسعة مساءً بتوقيت (صنعاء) قد ودعت منزلي الذي قطنت فيه مدة 11 عاماً من اصل الـ 13 عاماً التي قضيتها في اليمن , كنت اتصرف طيلة الوقت كأنني ذاهبة في نُزهة من نوع ما إلى المكان الذي شغل من عقلي حيزاً ...سواء كان هذا الحيز ذكريات مضت ..او طموحات عاقدة العزم على تحقيقها في ارضه  .

كنت انظر لشوارع صنعاء و نحن في الطريق إلى المطار نظرة شخص سيعود في يوم ما إلى وطنه الثاني ...لم اشعر أنه الوداع النهائي ...و ربما للزبيري (رحمه الله ) دور في ذلك ...فلا زلت استشهد بقوله ( لا بد من صنعاء و إن طال السفر ) ..غادرت صنعاء ...في تمام الواحدة صباحاً و بدأت رحلة العودة إلى الوطن ....

وصلنا إلى مطار الخرطوم الدولي , و رغم الارهاق الشديد الذي كنت اشعر به بسبب معاناتي الطويلة طوال ما يزيد عن شهرين من موعد السفر (وحتى يوم السفر نفسه ) ....إلا أن كل ما كنت اشعر به هو ....الم في القدم بسبب الكعب العالي ... والذي ما ان دخلت الصالة في المطار نسيته تماماً لأنني كنت انظر في وجوه المسافرين و العاملين في المطار ....كتلك النظرة التي رافقتني دوماً في صنعاء عند رؤية وجه سوداني بين الفينة و الأخرى ...

صُدمت في مطار الخرطوم بأننا سنتوجه مباشرة  إلى (الميناء البري) في طريقنا لمدينة حلفا و منها إلى قريتنا , ليكون التعب مُضاعفاً ....و فعلاً تم ذلك فقد توجهنا من المطار في الساعة الثالثة صباحاً عبر شوارع الخرطوم الواسعة إلى الميناء   و بالرغم من ان الساعة كانت الثالثة صباحاً إلا أن الناس كانوا (عاديين) كأن الساعة هي السابعة مساءً  !!!!!

وصلنا إلى الميناء البري و الذي اعتقد جازمة أن كاتب كلمات اغنية (عشان القاك ) كان بعد تجربة الوقوف في الميناء البري تلك المدة  وما حدث لنا من عرقلة فيه ليكتب ...(تعبت من السفر بالبر ...) بدلا عن (تعبت من السفر بالموج ) .... و لكن ...كله عشان حلفا يهون .

كان اول ما لاحظته عند الوصول إلى الميناء البري و الذي كان مغلقاً لحظة وصولنا إليه هو (كدح) السودانيين ...سواء كان هذا الكدح من الشباب الذين يعملون في بيع تذاكر باصات السفريات او صاحب (الكارو) ذلك و الذي كان يقود حماره في عتمة الفجر تلك قبل خروج الشمس او ست الشاي و التي كانت قد جهزت شاي اللبن و اللقيمات  و بدأت في رش الأرض و كنس المكان الذي حولها ...و شربت اول كباية شاي لي في السودان بعد مدة الغربة هذه من يدها ...كانت الحياة حول الميناء البري ....(حياة) ...عنوانها البحث عن لقمة عيش حلال.

بعد الجلوس في تلك العربة  و التي كانت تقلنا و امتعتنا امام الميناء لفترة من الزمن  ...و على فكرة ما زلت لا اعرف هل كانت العربة التي تقلنا (اتوس) ام امجاد ام هايس (-_-) (اسماء السودانيين بتاعت العربات دي كتيرة ياااخ ) ...المهم و بعد المشقة التي واجهها اخي في قطع تذاكرنا و بعد عرقلة دخول (امتعتنا) من شخص ما بطريقة همجية في الميناء – شخص لا زلت اجهل  رتبته -  دخلنا الميناء بسلام آمنين و ...بدأت رحلة البحث عن مكان (الباص) الذي سيقلنا إلى حلفا ...فوجدناه بعد معاناة من نوع آخر و صعدنا على متنه ....

تحرك الباص بعد أن سألت امي كم تستغرق الرحلة من الخرطوم إلى حلفا و كان سؤالي للتأكد فقط لأن لي فكرة مسبقة أن تلك الرحلة  تستغرق 7 ساعات , جلست بالقرب من النافذة لأتعرف بـ أرض...(الوطن) , و كان ذلك يوم الجمعة 14 يونيو ...ابهرتني المناظر الطبيعية في رحلة السبع ساعات تلك ...كنت ارى الاراضي السهلية تمتد و تمتد على مدى نظري ... كنت افكر أن السودان ....كبير !!! ( بالرغم من فكرتي المسبقة عن مساحة المليون ميل مربع ...قبل انفصال الجنوب) .

طوال تلك الرحلة كانت والدتي تتلقى اتصالات من الاهل في قريتنا للاطمئنان علينا و قول حمد لله على السلامة مسبقاً , ثم علمت في الطريق بأنهم سـ يقومون بتعزيتي في وفاة جدتي رحمها الله والتي وافتها المنية في يوم 26 مارس 2011م و كانت تتشوق للقائي كما  اُخبرت مراراً ...

كنت اصور في بعض الاحيان المناظر التي استطيع التقاطها من نافذة ذلك الباص ...وكنت في معظم  الاحيان اعجز عن التفكير في حمل الجوال و التقاط ما اراه من الدهشة التي اصابتني ...و للحق أنني احببت (كثيراً) مما رأيته ..احببت منظر البقر و الغنم و المساحات الممتدة و الـ (قطاطي) و بيوت الطين و لعب الاطفال في اماكن بعيدة تبدو مختلفة تمام الاختلاف عن ما اعتدت على مشاهدته ...سواء بسبب وجودي في الخارج او حتى ما رأيته في العاصمة المثلثة....كانت الحياة مختلفة ..تبدو بسيطة و جميلة ...مريحة و متعبة في آن واحد .

دخلنا مدينة حلفا...و رأيت فيها كما رأيت في رحلة السبع ساعات تلك التناقضات نفسها بين بيوت موجودة في نفس الرقعة الجغرافية و تبدو مختلفة كأنها على كوكبين مختلفين ...رأيت في حلفا كنيسة ...و مسجد ...ابتسمت تلقائياً ....لا ادري لماذا !!!!

وصلنا حلفا و كنت اجهل كيف سيكون اللقاء بأخواني كنت فرحة جداً رغم التعب  الشديد , و التقيت به,  بـ (حمدتو) أخي و في رواية اخرى (ليست من روايات الحلفاويين الاعزاء)  محمد  ...والذي لولا أنني رأيت صوراً حديثة له على الفيسبوك ما كنت لأعرفه ...فرِحة من قلبي و عيوني تدمع ...بكينا كثيراً وسلمنا على بعضنا اكثر من مرة ....افتقدت وجهه و ابتسامته ...و حنيته التي اشتهر بها ....ضربتني الحقيقة بعد سلامي على (محمد)  بأنني ...في السودان ...في ارضي بعد تلك المدة الطويلة ....و أن الحياة اختلفت حقاً عما علق في ذاكرتي ...كل شيء يبدو مختلفاً ....بطريقة ما ....و انا التي وقف بي الزمن في العام 2000م .

صعدنا على متن سيارة خاصة ... في الطريق إلى قريتنا (القرية 22 دغيم وسط ) ...قابلنا أخي احمد (ميدو) ....اوقفنا سيارتنا و اوقفوا سيارتهم و لم اصدق للمرة الثانية انني اراه امامي ....بعد انا كان رفيق دردشة فيسبوكي (سيء) يأخذ معلومات ولا يعطي ...احتضنت العزيز احمد في نصف الطريق الاسفلتي (الزلط) الموصل إلى قريتنا ..واصل طريقه إلى حلفا بعد حرارة السلام و واصلنا الطريق إلى القرية .....و لا زلت اجهل ما ينتظرني ...و احمل فرحة كبرى في قلبي....فرحة أصر (الخوف) من لقاء بعد غربة طويلة  إلا أن يخالطه  ....




لقاء الأهل في قريتنا ....في التدوينة القادمة ...دمتم بود .