الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

دليلك للمواصلات في الخرطوم .

قيل ان الدال على الخير كفاعله ...تطبيقاً لهذا المبدأ و مبدأ الـمهنية الكتابية الذي لا ارتبط به من قريب او بعيد دعوني اوضح ان هذه  التدوينة قد تمثل (اي شيء) الا مُفيدة ! 
--------------------------------------------------------------------------------

في الوقت الذي كان العالم يطبق فيه الانتقال السلمي للسُلطة ...كنا نطبق في السودان الانتقال السلمي للـ(مواقف) ..مواقف البصات (النقل العام)  !
و من تغيير المواقف و ما صاحبها من ضجة إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي و على غير المتوقع وقعت انا فريسة لحب موقف (شرّوني) و كنت حينها في اليمن , فأصبحت متهللة ببشائر هذا الحب و في انتظار اليوم الذي التقي فيه هذا الموقف ليكون بداية رحلة تنقلي في الخرطوم (العاصمة المثلثة) !

و بما ان الحب (أعمى و اطرش و يمشي بطريقة فستونية) فقد تغاضيت عن اسم شرَوني و تصرفت كشخصية عميقة و انتظرت -على امل لقاء الحبيب- (5) اشهر لأقابل فيها الموقف المزعوم ...حتى كان اليوم الذي اخبرني فيه أخي الأصغر بأننا في زيارة لبيت قريبة لنا و ...سنذهب عن طريق شّروني !

كانت تلك الكلمات كافية جداً لإيقاظ مغنية الاوبرا الايطالية التي تقبع في دواخلي المشرذمة , فقامت تلك المغنية ذات الشعر الاسود الداكن و التي يتكون اسمها من مقاطع اكثر من تلك التي تحتويها كلمة -Congratulations - الانجليزية بالغناء بصوت فرح , يعلو حيناً و ينخفض احياناً , مما ايقظ في دواخلي بقية الجوقة الموسيقية التي تتكون من مغني اوبرا ايطالية آخر يشبه صوته صوت الرجل الذي يغني في دعاية- فريرو روشيه- بالاضافة إلى بعض شخصيات افلام ال- animation- مثل فيلم (brave ) و (Wreck-It- Ralph) و آخرين لا مجال لذكرهم .
و رغم ان الشمس كانت تضرب ب(سوط عنج) و تمارس جميع اشكال التعذيب في الجموع المتجهة للموقف ...إلا انها لم تثنيني عن مشواري و لم تغير من تردد موجات الفرح بداخلي .
وصلت إلى شرّوني و كان اللقاء ...فجأة انقطعت اصوات الغناء في رأسي و وقف جميع من بداخلي لينظروا ...و بالرغم من أنني كنت قد جهزت فيما جهزت له عبارة (الصمت في حرم الجمال ..جمال) إلا أن صمتي حينها كان بسبب (الصدمة) !
صدمة العدد او الكثرة , صدمة تبدد الحب من كلمة (زحمة) , صدمة جعلتني استخدم بعض اسماء الإشارة في العامية السودانية للتعبير عن هول العدد لأكون جمل استفاهمية تخلو من الفائدة و نصها هو : (ده شرّوني ؟! ) لأتذكر بعدها عبارة من اغنية للراحل محمود عبد العزيز حينما غنى ( لو الريد عشم و حظوظ ...اكيد يا قلبي ما محظوظ) ...لا بالجد ...ده شرّوني ؟!!!!

ثم توالت أسماء الاشارة السودانية تباعاً  بعد ان اخبرني أخي بأن وجهتنا ان نستغل بصات (الشعبية) و اشار عند سؤالي له عن مكان بصات الشعبية بالقول (هنديلااااك) و بالرغم من ان كلمة (هـنديلاك ) تحمل في طياتها معاني (توفر حيوي) للبصات ...إلا ان معانيها تبخرت في الشمس توازياً مع الكم البشري العددي في الموقف , لتتوالى بعدها اسئلتي المتعلقة بالصدمة  و التي كان بعضها :  يعني هسة الخلق (ديل) كلهم ماشيين الشعبية ؟ (ديلاك) برضو ؟؟ و (ديك ) كمان ؟! يااخي الناس دي ما جادة و الله !!!!

تقبلت بعد حوالي ربع ساعة من الوقوف في الموقف في انتظار بصيص امل لبص قد يأتي و قد لا يفعل معنى كلمة (زحمة) سكانية في معناها الاوسع ...و لكأن شرّوني في حُلته تلك عبارة عن مؤسسة تعليمية كبرى تمتليء بطلاب المدارس و الجامعات او مؤسسة حكومية تمتليء بالموظفين ....بل ربما يصح القول ان شّروني هو (الخرطوم) ....مُصغرة !

- بعد لحظات من التفكير : الجميع متساوون في شرّوني , حيث لا مجال للواسطات و حيث ان على الجميع بذل نفس الجهد للحصول على مقعد مناسب ...او مجرد مقعد ...ربما يمثل شرّوني بشكل ما حلم وطن ...يتساوى الجميع في حرمه ...ربما !! 

بعيداً  عن الدراما في السطر السابق ...و اكمالاً للموضوع , فبعد التقبل للزحمة جاءت مرحلة التعامل مع الزحمة للحصول على مقعد لكي نصل لوجهتنا , فبدأ اخي بسؤالي عن مدى قدرتي على (المدافرة) وسط هذه الجموع ...لأجيبه ب(لأ , برستيجي ما بيسمح لي) ...لأسمع بعدها تهشم اصوات اماني اخي بعد وقوعها ارضاً....لتبدأ من جديد رحلة انتظار الفرج) , ليحدث ما لم يكن في الحسبان , مشهد يشبه افلام هوليوود ...عندما يكون امل المشجعين في فريقهم او لاعبهم او راقصهم المفضل قد بدأ يلفظ انفاسه فيحدث امر اشبه بمعجزة و تبدأ الآمال و الاحلام بالتعافي بفوز البطل و انتصاره , و بعيداً عن هوليوود فقد جاء  في ذلك اليوم -على غير العادة- بص فارغ من جهة غير التي يقف فيها الجميع ....و كانت المفاجأة السارة بأننا كنا اول من يصعد على البص و في اريحية تامة وصلنا للشعبية !

و بما ان موضوع المواصلات في السودان يشبه حلقات المسلسلات المكسيكية الطويلة جداً (او التركية التافهة جداً) فدعوني اوضح بأنه من الصعب جداً او قريباً من  الاستحالة ان تصل في الخرطوم لمكان ما بـ (بص واااحد) , لهذا السبب كان علينا ان نستغل (بص) معاناة آخر ...مررت فيه بصدمة أخرى على لسان أخي عندما اخبرني بأن (امبدة في امدرمان) ...و لكأن صدمة مقابلة شروني لم تكن كافية , الا ان الفرق هنا انني لم احسب قط بأن (أُمبدة) موجودة في امدرمان ...مع ملاحظتي في هذه اللحظات ان الحروف الاولى لهما هي نفسها (الف و ميم) ...آآآآآآه بالرغم من انها ملاحظة ذكية لتسهيل الحفظ إلا انني (امزح) فيها ! 

على العموم : علمتني المواصلات في الخرطوم اشياء كثيرة في فترة (الأسبوعين) التي قضيتها هناك ...و لهذا و لحين تعلم امور أخرى دعوني ابدأ بكتابة بعض القواعد العامة للمواصلات و النقل العام في بلادنا ...منعاً للصدمة و (الدقسة) :-

 البند (1) : وسع صدرك 
- ليس من المستبعد بتاتاً جلوس شخص بجانبك يقرأ معك جريدتك بنفس واحد ...و قد يسبقك ايضاً  و يطلب منك في حالة كان الموضوع الذي يقرأه على صفحة رقم (1) ان تفتح الصفحة رقم (10) لقراءة التتمة  .

- وسع صدرك لو قام احدهم بطلب اسم الكتاب الذي تقرأه و أخذه و ....بدأ بقراءته إلى صفحة (8) في الاثناء التي تنتظر منه فيها ان يقوم بمناولتك للكتاب .

(2) البند : خليك حساس 
- عندما يقف سائق البص في مكان وصلت فيه الزحمة الحد لدرجة ان الطريق بالنسبة له و لك اصبح طريق مسدود ...لا تغادر البص ...مراعاة لمشاعر السائق , و حتى لا تنطبق فيك عبارات أغنية (عمليتك ما ظريفة و ...حركتك جبانة) ...ابقى مع السائق (عشان تونسه) و الله يجبر بخاطرك يااخي المسلم . ( إهداء خاص من جمعية جبر خواطر اصحاب البصات من محبي الفنانة شيرين عبدالوهاب)

(3) البند : لا تدقس أخي المسلم :
لا تدقس لأن الاسطورة تقول ان هناك إمرأة (تحوم) في بصات الخرطوم تتبع لمصلحة حكومية و ترتدي طرحة و لها وجه يشبه اوجه (20%) من السودانيات ...ستقوم بإقناعك بأن تجلس في المقعد القريب من الشباك وسط اصرارها على الجلوس في المقعد القريب من المقاعد المتحركة في الوسط ..و ستحسب انت انها (طيبة) و ما عايزة (تجهجهك) و تقوم بزعزعة استقرارك البصي لأنها ستنزل قريباً...و هذا مجرد افتراء واضح ...فكل ما ترغب فيه هي ان ...حسناً ...كيف اصيغ هذه العبارة ؟ ان تُجلسك انت بجانب الشباك لكي تقوم الشمس بالواجب معك و عذرها في ذلك انها (تعاني صداعاً) *حقيقي*

البند (4) : اياك و اصحاب الـعفش الكتير :
حسب الإحصائيات الاممية (المقطوعة من الراس) ففي كل 67 شخص يصعدون للبص من غير امتعة ثقيلة هناك شخص يحمل الكثير منها و يعوض عن البقية , عليك عزيزي القاريء الحذر من الجلوس في المقعد الداخلي (الجمب الشباك) عندما يقعد (حمّال) الامتعة بجانبك , خاصة لو كانت إمرأة , لأنك عندما يحين وقت الافراج عنك من البص ...ستعاني كثيراً بسبب العفش اولاً و بسبب المرأة ثانياً و التي ستجعلك بسبب اقتراحاتها الغريبة بالقفز بالخلف من المقعد بإعطائك احساس انك (كومبارس) في فيلم اكشن لـ (توم كروز), هذا عوضاَ عن عملية التأخير في الوقت و التي ستقرر هي القيام بها بعد ان تكون قد استنفذت كل اقتراحاتها التي تشبه اقتراحات حكومات الوحدة الوطنية التي (لا بتودي و لا بتجيب) !

(5) البند : الفي مقعده فرط دقس ..
عزيزتي الفتاة او المرأة على وجه العموم : في حالة قام احد الرجال المحترمين جداً من مقعده لكي يسمح لك بالجلوس فيه فيرجى اغتنام الفرصة سريعاً و الجلوس ثم بعد ذلك تبدأ عملية (الشكر و العرفان) ...و احذري من الشافع الذي (ينزغم) من مكان مجهول لتجديه استغل فرصة خلو مقعد ...و حتى لا تكوني من الذين ينطبق عليهم قول الشاعر  (الفي مقعده فرط دقس ...يجي شافع يعمل ليهو مقص) ....هذا  و وفقنا الله للخير .


و بما انني اطلت الحديث في هذه التدوينة فلنختمها بـهذه المعلومات غير الموثوقة و التي اوردتها في وثيقة (قوانين سودانية , باب المواصلات) :-

- احتمالية جلوسك في بص بجانب شخص معاااط  و زعاط و يتحدث في التلفون بصوت عالي هي 95% . مع ارتفاع هذه الاحتمالية إلى 99% لو كنت مصاباً بصداع .

- احتمالية جلوسك - عزيزتي الفاضلة- في مقعد تضرب فيه الشمس و تكرهك عيشتك كضمير حي لقاتل ...تزداد بإزدياد قيمة الكريمات المستخدمة للتخلص من آثار هذه الشمس على بشرتك .

- البص الفاضي ...المتوجه إلى نفس وجهتك التي نويتها ...ابعد ما سيكون عنك !

-البص الفاضي...الذي كنت بإنتظاره كل يوم من ايام السنة ليوصلك لجهة معينة متوفر ...في اليوم الذي تقرر فيه ان تصعد مواصلة أخرى , حيث ترتفع نسبة رؤيتك لبص فاضي و انت على متن (رقشة او ركشة او توك توك) إلى 101% .

- تتناسب وفرة البصات في موقف ما تناسباً عكسياً مع اهمية المشوار الذي تنوي الذهاب إليه .
- احتمالية (توسخك) بالزيت في  بص نقل عام ...تزداد بزيادة حساسية الملابس التي ترتديها و قيمتها .

- في حالة كان الجو حاراً احتمالية وجود خلل في فتح الشباك الذي بجانبك ...يرتفع .

- تتجاوز احتمالية وقوفك شماعة في بص الوالي الـ95% .
- تنخفض سرعة تحرك البص الذي تستغله كلما كنت مستعجلاً للوصول ...مع احتمالية زيادة الازدحام المروري ب166% في ذلك الوقت.

- الفتاة الجميلة-عزيزي الشاب- على الارض تمشي في حالة كنت انت على متن البص و على البص موجودة في حالة كنت انت على الارض و في حالة كنتما الاثنين على الارض و في انتظار نفس البص ...تزداد نسبة انكما ستصعدان بصين مختلفين- بقدرة قادر- بحوالي 99% عن النسبة الطبيعية . (طريقك مسدود ....ما تعلق قلبك بيها)

أخيراً و من قبيل (التقدير) ..أعجبني مقترح احد الساخرين من ذوي الاحاسيس المرهفة و الذي قام فيه بالطلب من الشركات المُضنعة للهواتف النقالة بأن يخترعوا جهاز موبايل بشاشتين ..واحدة لمالك الهاتف و الشاشة الأخرى ..لمن يقعد بجانبه في البص.
(عشان ما تقولوا حارمينكم من حاجة و بالله كلموا الشقيري عن المراعاة الاخلاقية دي في العالم العربي ..كفاية يابان)

يللا .... و كفاية معط كمان ...نشوفكم على خير :)



هناك 7 تعليقات:

  1. معاي واحد هندي في المكتب قرا معاي موضوعك .. قال لي مافي تكتك في السودان ؟ كدي ردوا عليهو انتو

    ردحذف
    الردود
    1. ههههههههه قول ليهو في توك توك في السودان و يا ريت كنت في الخرطوم كنت صورت ليهو بي نفسي :-)
      ممم و ابقى اعزمه يجي السودان زيارة عشان يشوف بي نفسه :-)

      حذف
  2. والله طريقة سردك سلسة ومعبرة وساخرة. بس في تغيب لي بعض الحقائق معقول الكراسي كلها سليمه ومافيها زوايد او عوجه تعمل وجع ظهر والناس كلها مستحمية وكمان مافي تحرشات ولاسرقه ومعقوله رجعو ليك الباقي. والله تباً للعولاق والبشتنه

    ردحذف
    الردود
    1. ههههههههههه تباً شديد ...فعلاً دي حقائق و لكن من كثرة الحقائق قررت ان يتم اعطاء الحقيقة في جرعات ...اتباعاً لبروتوكولات صيدلانية بحتة :)
      مرورك اسعدني كتير و الله....تسلم :)

      حذف
  3. والله تدوبنة بسيطة وجميلة اجمل من الفتاة التي تمشي علي الارض لمن اكون انا في البص

    ردحذف
  4. تسلم كتييير و الله....يديك العافية ....ههههههه اهم شيء انها اجمل من الفتاة التي تسير على الارض ...دا شيء مريح :) ...الى حد ما
    نورتنا :)

    ردحذف
  5. دائما بجي متأخر التدوينة ليها سنة إلا
    علي قول المثل أن تأتي متأخر خير من إلا تأتي
    هكذا أنت مبدعة وجميلة في سردك موفقة دائما
    بالمناسبة تويتر بسأل منك

    ردحذف